مقال التشخيص النفسي الالكتروني

نعاني اليوم، كمجتمع متحضّر أو من المفترض أن يكون كذلك، من سلوك بشري يُرجَّح أنه طبيعي ومتوارث، ولكن هذا لا يعني أنه سلوك صحيح أو صحّي. إنّ اختلافي يكمن في النسبة المئوية التي تجاوزت الحدَّ المقبول، ممّا يجعل هذا السلوكَ بشرياً مشؤوماً. وفي هذا المقال، سأطرح معكم المساوئ التي ستترتّب إذا لم نُسيطر على هذه الظاهرة.

إنّ ظاهرة التشخيص النفسي الإلكتروني يمارسها اليوم الجميع، لا المختصّون فحسب، وحتى في الواقع، حين تجالس شخصاً ما، وتقرأ لغة جسده، وتسمع نبرة صوته، وربما ترى ارتجاف يده، فقد تشعر بأنه يعاني من أمرٍ ما، ومع ذلك لستَ طبيباً مختصاً يملك القدرة على تشخيص حالته بدقّة. ومن باب أولى، يجب على الناس أن يتوقفوا عن تشخيص بعضهم البعض إلكترونياً، أو بناء علاقاتهم على تشخيصات مستمدّة من وسائل التواصل الاجتماعي أو من مجرد ظهور عابر على شاشة التلفاز. 

وسأسرد هنا بعض الظواهر؛ ومنها اتهام الأشخاص بأنهم يعانون من اضطراب الشخصية النرجسية. فكلّ مطلَّقة اليوم تصف زوجها السابق بأنه نرجسي، وكلّ مطلَّق يصف زوجته السابقة بالأمر نفسه، وأيّ خلافٍ في الرأي، ولو ترافق مع قدر بسيط من التكبر، أو حتى نسبة يسيرة من الثقة بالنفس إن كان صاحبها على حق، يُطلَق عليه اليوم مصطلح “النرجسية”.

ورغم خلافي مع بعض جوانب الطب النفسي وكثير من خزعبلاته التي لم تثبت علمياً إلى اليوم، فإن هذا الطبيب يدرس لسنوات طويلة ليتمكّن من جمع صفات متكاملة في شخص واحد، تُمكّنه من كتابة تقرير بأن هذا المريض -أو هذا “المراجع” كما أُفضّل أن أسميه- لديه اضطراب الشخصية النرجسية، لا لأنني أراه مريضاً بالضرورة، بل ربما لأنه شخص سيء لأسباب معيّنة.

ومع كثرة المسمّيات، أصبح الجميع دكتوراً مختصاً على منصّات التواصل الاجتماعي؛ فترى التعليقات تحكم سريعاً: “هذا نرجسي”. وفي المقابل، هناك من يرتدي قناع الضحية ليُبرّر أخطاءه قائلاً: “أنا شخصية حدية”. كما تجد من يتباهى بأنه يعاني من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، المعروف اختصاراً بـ ADHD. وغيرها من مسمّيات كثيرة، كأنها سوق جديد يمتلئ بأسماء لامعة تتنافس كموضة عابرة.

وقد ترتّب على انتشار هذه المصطلحات، وكثرة الحديث عنها -خاصة من بعض الأطباء النفسيين في العيادات الخاصة بدافع البحث عن الرزق- أن أصبح الجميع يقدّم نفسه على أنه مختص في الطب النفسي أو التحليل النفسي.

كما بات الحكم على الناس دون الدخول في التفاصيل سلوكاً بشرياً قديماً، لكنه كان في العادة سلوكاً طبيعياً عند السطحيّين من البشر. فمن الصعب أن تجد حكيماً في التاريخ كان يصدر أحكاماً سريعة على الناس، باستثناء بعض الشخصيات التي وهبها الله الفراسة، ونادراً ما كانت تخطئ في تشخيص من أمامها.

أمّا اليوم، فمع علمنا بأن غالب الناس لديهم ثلاث شخصيات بديهية: شخصية للعوام، وأخرى للمقرّبين، وثالثة لا يعرفها إلا العبد وربه؛ نجد ذاك الرجل القاسي الذي لا يبكي، صاحب الكاريزما القوية، قد يبكي بكاء الطفل في قيام الليل. كما قد ترى رجلاً مشابهاً يلعب ويضحك كالأطفال، وربما يقلّد صوت النساء أحياناً وهو يلاعب طفله. وكذلك ترى المرأة التي تبدو قوية أمام العامة، تجدها أكثر نعومةً وأنوثة حين تقابل زوجها بعد يوم طويل.

وهكذا هي الشخصيات!

لدينا شخصية نُظهرها للعوام، وهي الشخصية التي تخشى الأحكام السريعة، ولدينا شخصيةٌ أخرى نُظهِرها للمقرّبين الذين نثق بهم، فنتصرّف أمامهم على طبيعتنا إلى حدٍّ ما، وإن لم يكن ذلك بشكلٍ مطلق. ثمّ هناك تلك الشخصية الخفيّة، التي لا يعرفها إلا نحن؛ تلك التي تظهر حين نعاتب أنفسنا على ذنوبنا، ونتفكّر في علاقتنا بربّنا، ونشعر بفطرتنا السليمة بأنّ هناك إلهاً يرانا ويطّلع على خبايانا.

ولا أعتقد أنّ هناك مسلماً واحداً لم يمرّ بلحظة شكّ عابرة دفعته إلى الإلحاح في الدعاء، ليتحقّق له بعد ذلك ما كان يراه مستحيلاً، فتكون تلك اللحظة هي الفاصل عن طريق الفطرة لإثبات وجود الله في قلبه لا بطريقة ماديّة، بل بطريقة شعورية شخصية عميقة.

وهناك قصص كثيرة متعلّقة بتلك الشخصية الأخيرة الخفية، شخصية “العبد بينه وبين ربّه”. وأحياناً، إذا كان الشخص كتاباً مفتوحاً بالفعل، فقد يرى زوجه هذه الشخصية الخفيّة بحكم العيش تحت سقف واحد، لكنّ ذلك يظلّ من النوادر أيضاً.

تطوّر الأمر من مرحلة التشخيص النفسي الإلكتروني عبر الشاشة، إلى مرحلة أخطر؛ فنحن جميعاً نعلم أن الناس أمام الكاميرا يبدون مختلفين عن حقيقتهم بعيداً عنها، وهذه حقيقة بديهية، إذ إن الشاشة الأمامية غيَّرت السلوك البشري بشكلٍ ملحوظ ومرصود وخطِر.

غير أن المشكلة اليوم تكمن في أنّ ما كان بديهياً بالأمس، ويعلمه الجميع، أصبح الآن أمراً يُتَعامل معه كأنه طبيعي لا يحتاج إلى تذكير، حتى إنّ الناس -وفقاً لما رصدتُه- قد تناسَت تماماً حقيقة أن البشر يتغيّرون أمام الكاميرا.

فهناك من يظهر بطريقة علمية أكاديمية صارمة، محتفظاً بكاريزمته ومُبتعداً عن جذب الجمهور عبر الضحك أو عرض حياته الخاصة، وهناك من يلجأ لاستراتيجية مغايرة تقوم على التقرب من المتابعين وإدخالهم جزئياً في تفاصيل حياته اليومية، وثمَّة من يتعمّد الظهور بمظهر المهرّج على وسائل التواصل، وآخرون يظهرون بجدية كاملة. فتتنوع الشخصيات بين تافهة ومثمرة.

وكما ذكرت، لم يعد الأمر مجرّد تشخيصٍ نفسي إلكتروني، بل تطوّر إلى القذف والاتهام بنوايا القلوب، فكلنا نعلم أنه لو لم يذكّرنا بالصلاح والخير إلا المعصوم، لما نصحنا أحدٌ بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ومن البديهي أيضاً أن المسلمين يذكّر بعضهم بعضاً بالمصالح والمفاسد استناداً إلى القرآن والسنة. ومع ذلك، لاحظتُ أن نسبةً كبيرة من الناس تتهم الرجل الحليق بالنفاق، حتى أصبحت النصيحة لا تُقبَل إلا من مُلتحٍ!

نعم، الحليق قد يكون مرتكباً لذنبٍ بتركه إعفاء اللحية، ولكن قد يكون في الوقت ذاته مجاهداً نفسه نحو التزامٍ جوهري قبل أن يظهره شكلياً، وهذا هو الأصل. وربما يكون من الأوَّابين الذين يذنبون ويتوبون، مبتلى بمعصية معينة لكنه يُكثر الرجوع إلى الله والتوبة إليه.

فإذا كان كلام هذا الرجل الحليق خالياً من الشوائب، مُسنَداً إلى أحاديث صحيحة وآيات بتفاسير معتبرة، لا إلى تأويلات باطنية كالتي يعتمدها بعض مدربي الطاقة المزيّفة؛ وإذا كان من أهل السنّة والجماعة، ينصح نصيحةً صادقة ويعتمد على الدليل الواضح، فلا يجوز اتهامه بالنفاق لمجرد مظهره.

ومع ذلك، نجد بعض المعلّقين الذين يعرفونه في حياته الحقيقية، فيقولون: هو حليق، ويدخّن مثلاً، أو يستمع للأغاني أحياناً، ومع هذا يظهر محتواه وكأنه يذكّر الناس بالدين في زمن التيه؛ فتُطلَق عليه تهمة النفاق بين أصدقائه دون سؤالٍ أو استيضاح.

وهذا الاتهام السريع مبنيٌّ على تشخيص نفسي خاطئ، سببه الفضول البشري والحكم المتسرّع دون حوار. إذ كان من الطبيعي -وفق المنطق السليم- أن يُسأل هذا الرجل: لماذا تنصح بالدين وأنت تستمع للأغاني، وتدخّن، كما أنك حليق؟

فيردّ عليهم هذا الرجل قائلًا: “لو لم يذكّرنا بالدين إلا المعصوم، لما نصحنا أحد بعد وفاة محمد -عليه الصلاة والسلام-. نحن أمّة ذِكّر، يذكّر بعضُنا بعضاً، فتُعينني على الطاعة، وأُعينك أنا عليها، نحن منظومةٌ متماسكة، وكما يُقال في العاميّة: وإن خَلَتْ خَرِبَت.”

وربما ما زال القارئ يرى هذا الكلام من البديهيات، لكن لِيَعترف مع نفسه: هل قام يوماً بتشخيص شخصية أحدهم على منصّات التواصل تشخيصاً نفسياً إلكترونياً؟ وهل رأى تعليقاً يشخّصه هو نفسه؟ لا نكذب على أنفسنا، فهي ظاهرة منتشرة، والدليل على انتشارها أنّه لا يكاد يوجد رجل أو امرأة قدّم طرحاً على منصّات التواصل -سواء كان مكتوباً أو صوتياً أو عبر ظهور مرئي- إلا وتعرّض لتشخيص إلكتروني من قِبَل غير المختصين أو من العوام تحديداً.

وما زلت أرصد هذا السلوك، وفي نهاية هذا المقال -بإذن الله- سأطرح توقّعاتي لما قد يترتّب على استمرار هذا النمط دون ضبط أو وعي، مع تقديم حلول للحدّ من انتشار هذه الظاهرة.

وكما ذُكر في مثال الرجل الحليق الذي يُتّهم سريعاً بالنفاق، لا ننسَ المرأة التي تكشف وجهها أو شعرها، ومع ذلك تُقدّم نصيحة دينية خالية من الشوائب. نعم، هي مذنبة وتعترف بذنْبها، لكن لو كان المستمع أعمى وسمع كلامها مجرداً من صورتها، لوجد كلاماً نقياً مستقيماً لا غبار عليه.

وفي مثل هذا الموقف، لا يتوقف الأمر عند اتّهامها بالنفاق، بل يتطرّف بعضهم إلى أبعد من ذلك فيتهمها بالزنا! ولا أقصد هنا القول بأن التبرّج يُكتب عليه ذنب الزنا مجازاً؛ بل إن الأمر يصل بالبعض إلى الجزم -عبر تشخيص نفسي إلكتروني متسرّع- بأن هذه المرأة، لمجرد مظهرها، تمارس الفاحشة خلف الكاميرا، وكأنهم يطّلعون على الغيب.

وهذا النوع من التحليل النفسي المُختلق، الذي يقوم على المظهر وحده، يُعدّ قذفاً صريحاً وظلماً بيّناً، ومؤشراً على انحراف الحكم الأخلاقي نتيجة سرعة التشخيص الإلكتروني.

هنا نفقد السيطرة تماماً، وندخل في دائرة سلوك غير بشري وغير متّزن على الإطلاق. ولا يخفى أنه عندما يتحدّث رجلٌ على منصّات التواصل الاجتماعي منتقداً بعض سلوكيات المرأة العصرية المنسلخة عن هويتها، والتي تبنّت الفكر العلماني وقلّدت الغرب في معتقد أن هذا هو التطوّر كما قال ابن خلدون: “المغلوب مولعٌ دائماً بالغالب، يقلّده في لباسه، وكلامه، وهيئته، ومبادئه”، فإن هذا الرجل، الذي ربما يُحاول إصلاح ما يراه سبباً في ارتفاع نسب الطلاق والتفكك الأسري، يُتَّهَم مباشرة بالذكورية المتطرفة.

وعلى الجانب الآخر، حين تنتقد امرأة بعض سلوكيات الرجل العصري الذي لم يعد يعرف كيف يتحمّل مسؤولية حماية أسرته أو القيام بأدواره الطبيعية -كمثال سريع للتوضيح- تُتَّهَم فوراً بأنها تتبنّى الفكر النسوي، والأسوأ من ذلك، إذا امتدح الرجل سلوكيات إيجابية لدى المرأة وانتقد بعض سلوكيات الرجال، وُصِم هو نفسه بأنه “نسوي”، وبالمقابل، تُطلَق على المرأة التي تنتقد الانفلات السلوكي عند بعض النساء المعاصرات تهمة جاهزة في عالم السوشيال ميديا، بمصطلح أمريكي شائع يُترجم إلى “اختروني أنا”، ويُعرَف بالإنجليزية باسم: Pick Me.

وهكذا يتحوّل النقاش الاجتماعي إلى ساحة تشخيص نفسي إلكتروني متسرّع، قائم على قوالب نمطية جاهزة بدل الفهم والإنصاف.

ثم تطوّر الأمر ليصل إلى مرحلة الإسقاط على العلماء والباحثين والمفكّرين. فأصبح من غير المقبول -في نظر بعض الناس- أن يخطئ العالِم ولو مرة واحدة؛ فإذا قال العالِم ألف حقيقة، ثم وقع في خطأ واحد، سارعوا إلى إسقاطه كليةً، وإن كان هذا العالِم عالِماً في الدين -على وجه الخصوص- وأبدى رأياً يخالف عاطفة الجمهور، ولو كان مبنياً على قاعدة شرعية معتبرة كقياس المفسدتين أو الموازنة بين المصالح والمفاسد، كما في مسألة الخروج على الحُكّام عند الخوارج أو السياسيين الحزبيين، فإنه يُهاجَم فوراً.

فإذا قال مثلاً: “كل حاكم عبدٌ لله، وكل عبدٍ لله مبتلى ببعض الذنوب وليس معصوماً، ولو أسقطنا هذا الحاكم بالمظاهرات ونتج عن ذلك مفسدة أكبر للمجتمع، ثم جاء حاكم ثانٍ ناقص كذلك لأنه عبد، فهل سنُسقط الثاني؟ والثالث؟ والخامس؟ فمتى تستقر الدولة؟”

هنا يُفترض أن يُفهم الخطاب في سياقٍ شرعيّ عقلانيّ متّزن، لكن ما يحدث في الواقع هو العكس؛ إذ يُفجَّر الرجل بالتشخيص النفسي الإلكتروني ويُصنَّف بأنه جبان، حاقد، عبد للسلطة، متآمر، أو حتى خائن.

وهنا لا أتحدث عن الذباب الإلكتروني الموجَّه أو الحسابات المموّلة لخدمة أيديولوجيات معيّنة، بل عن العوام، شخص من عامة الناس لا يعجبه كلام امرأة على مواقع التواصل، فيتهمها بالنرجسية، أو النسوية، أو التعقيد النفسي، أو يرمِيها بالزنا أو النفاق، بل قد يُخرجها من رحمة الله ويحكم عليها بالخلود خارج الجنة.

وكذلك إذا رأى عالماً أخطأ في مسألة، أو عبّر عن رأي شرعي واقعي يتطلّب الحكمة وضبط العاطفة -كما فعل الشيخ عثمان الخميس حفظه الله حين تكلّم عن موقفه من «حماس» قائلاً: “نحن نختلف معهم، لكن عدوّنا الآن واحد، والوقت ليس وقت خلاف”- فإن العوام لا ينظرون إلى المآلات الشرعية، بل إلى حرارة اللحظة ومؤثرات المشهد العاطفي، خاصةً في ظل انتشار مقاطع موت الأطفال والصور المؤلمة من غزة.

فتمّ إسقاط الشيخ عثمان الخميس، لا سياسياً فحسب، بل علمياً وشرعياً؛ فلم يعد بعض الناس يثقون بعلمه في الحديث، ولا بفتاواه في الزواج والطلاق، ولا بحكمه في قضايا الزنى، وانتهى به الأمر مشخَّصاً نفسياً عند هؤلاء: معقّد، مضطرب، حاقد، جبان، حاسد للشجعان والشهداء، وعبدٌ للسلطة!

وهذا هو تماماً ما أعنيه: تشخيص نفسي إلكتروني كامل، يطال العلماء والمصلحين، ومن قِبَل مَن؟ من العوام، لا من أهل الاختصاص.

والمفارقة المضحكة -والمُبكية في الوقت ذاته- أنه رغم بداهة كلام فضيلة الشيخ عثمان الخميس في المقابلة الأولى، اضطر لاحقاً للظهور في مقابلة أخرى ليُعيد شرح ما قاله، وكأنه يُبرّر موقفه لمن لم يفهمه، مع أنّه تكلّم بالعربية نفسها في المرّتين! لكنّ الأدوار انقلبت؛ إذ أصبح لزاماً عليه -في نظر الجمهور- أن يظهر هذه المرة لا كعالِم شرعي، بل في شخصية ما يُشبه “المُعالِج النفسي” (Therapist) الذي يهدّئ الجمهور ويُطمئِن مشاعرهم، ويُعيد صياغة كلامه بطريقة عاطفية مُسكّنة.

فالجمهور الذي اعتاد على تشخيص الآخرين نفسياً عبر الشاشة، تبنّى لا شعورياً دور “الدكتور النفسي الإلكتروني”، حتى أصبح يتوقع من العالِم ألّا يقدّم العلم فحسب، بل أن يتصرّف كطبيب يربّت على كتف المتابعين، ويشرح لهم كلامه مرة بعد أخرى بصياغة نفسية مطمئِنة، لا بصياغة شرعية رصينة.

وأحياناً تعتريني نوبة هلع حين أقارن هذا الانحدار في فهم السلوك البشري مع ما نعيشه من تطوّر في الذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والمركبات الذكية… ثم أرى أنّ ما كان يُشرَح في دقيقة واحدة باعتباره من البديهيات، بات يحتاج اليوم إلى مقابلة كاملة أو حتى كتاب كامل لتوضيحه؛ لأن العقول لم تعد تتقبّل البديهي إلا إذا قُدّم بجرعة نفسية مكثّفة.

وهذه ليست سوى واحدة من البديهيات التي سأعود إليها في مقالات قادمة، بإذن الله.

حسناً…

ماذا يترتّب على هذا السلوك البشري، أو على هذه الظاهرة التي أصبحت واسعة الانتشار؟

أول ما رصدتُه هو ظهور سلوك بشري آخر خطير: خوف المصلِحين من الظهور على منصّات التواصل الاجتماعي، يقابله في الجهة الأخرى تصاعد انتشار التفاهة، فالشخص التافه أقنع نفسه بأنه «شجرة مثمرة» لا تُقذف إلا لأنها ناجحة، رغم أنه في الحقيقة ليس مثمراً، بل صاخباً فقط. وبهذا الوهم، تحصّن التافه بثقة زائفة تفوق ما ينبغي أن يملكها المصلح الحقيقي.

ومع مرور الوقت، بدأ هذا التافه يُطلق مقولة صحيحة في أصلها: “الناس لن ترضى عنك رضاً مطلقاً”، لكنّه تجاوز بهذه الجملة حدود الاتزان، فحوّلها إلى تبرير لكل سلوك، حتى صار يفسّر كل نقد أو ملاحظة على أنها حقد أو غيرة، وهكذا دخل في متاهة نفسية معقّدة يصعب الخروج منها.

وفي المقابل، صار المصلِح الحقيقي يتردّد؛ لأنه يدرك أنّ الناس تمارس “التشخيص النفسي الإلكتروني” وتتعمّد تتبّع النقطة السوداء في صفحة بيضاء، أي التصيّد، وقد أخبرني كثير من زملائي المختصّين في الطب النفسي أنّ عدداً كبيراً من المشاهير المصلِحين يُراجعون العيادات النفسية بسبب القلق والتوتّر الناتجين عن الضغط النفسي من التعليقات السلبية.

كنّا نظن أننا نملك شخصيات قوية لا تتأثّر، لكن حتى الحجر الصلب إذا تتابعت عليه قطرات الماء الضعيفة باستمرار تشقّق وانقسم، وكذلك هذه التعليقات؛ تبدو صغيرة منفصلة، لكنها مع الزمن تتحوّل إلى مصدر قلق حقيقي.

وبالنسبة للمرأة، يتضاعف التأثير؛ فهي أكثر حساسية من الرجل بطبيعتها، فكثير من النساء اللواتي يكشفن شعرهن أو يضعن مساحيق التجميل -حتى وإن كنّ في الأصل محجّبات- يجدن أنفسهن تحت ضغط ما يمكن تسميته بـ”ضريبة التمدّن”، بعضهن يفعلن ذلك بدافع التنافس الاجتماعي، أو بحكم طبيعة المرأة التي تحب أن تُرى، وتدرك أن الرجل يحب أن ينظر، أنا لا أبرّر تبرّجها شرعاً، لكن أفهمه كسلوك بشري قائم على الحاجة للقبول والظهور.

ومع ذلك، هذه المرأة المتبرّجة أو التي لا تلتزم بمظهر إسلامي كامل، تجد نفسها غير قادرة على اقتباس حديث نبوي أو آية قرآنية، أو حتى تذكير الناس بالصدقة ولو بصياغة إنسانية عامة؛ لأنها تعلم مسبقاً أنها ستُهاجَم بسبب مظهرها قبل مضمون كلامها.

وهذا السلوك مرصود أيضاً لدى النساء اللواتي يهتممن بالحيوانات، كالقطط مثلاً، ويُحببن توعية الناس بكيفية التعامل الرحيم معها، تجدهن يبتعدن عن ذكر حديث أو آية تتعلق بالرحمة بالحيوان، ليس لأنهن يجهلنها، بل لأنهن يدركن أن الجمهور سيُسقط عليهن حكماً دينياً مُسبقاً: “كيف تعظيننا وأنتِ غير ملتزمة بالحجاب؟”.

قد يكون الرجل أشجع قليلاً، فليس بالضرورة أن يكون ملتحياً أو رافعاً ثوبه، لكنه قد يجرؤ على ذكر آية أو حديث، ومع ذلك، ومع تتابع التعليقات السلبية والتشخيص النفسي الإلكتروني المتسرّع الذي يعمل كقطرات ماء تنقر على صخرة نفسية، يبدأ تأثيره الإيجابي في التبخّر تدريجياً، ثم ينسحب شيئاً فشيئاً من الساحة.

وهكذا، يَفقد المجتمع مصلحين حقيقيين، ويُعطى المجال للتفاهة وأهلها فضاءً رحباً.

كما يترتّب على هذه الظاهرة انتشار حالات الطلاق وازدياد الخلافات بين الأصدقاء، لأن كثيراً من العلاقات بات يُبنى من الأساس على “تشخيص نفسي إلكتروني”. فالرجل يظن أنّ المرأة التي يراها عبر الشاشة هي شخصيتها الحقيقية، والمرأة تبني حكمها على الانطباع الرقمي ذاته. وقد ذكرتُ سابقاً أن ما يبدو بديهياً اليوم أصبح مشوّشاً لدرجة أن بعضهم يتخذ قرار الزواج وتكوين أسرة بناءً على سلوك وهمي يظهر أمام الكاميرا الأمامية.

ويؤدي هذا أيضاً إلى انسلاخ بعض الأفراد من هويتهم العربية وتبنّي شخصية أمريكية مستوردة، غالباً مشوّهة ومنتقاة من أسوأ النماذج. فأرى -ساخراً ومتحسراً- امرأة بدينة جداً وقصيرة القامة تزعم أنها “عارضة أزياء” وتؤكّد أنها لا تهتم بآراء الناس، لكنها في الواقع لم تُميّز بين النقد البنّاء والنقد الجارح، فهربت من المواجهة نحو الفردانية المفرطة، والتي هي -في جوهرها- وباء اجتماعي يفتّت المجتمعات.

وكذلك ترى رجلاً مثليّ الجنس يصبغ شعره بالأزرق، ويؤيّد إجهاض الأجنّة، ويرفض أي نقاش علمي أو ديني حول الانعكاسات النفسية والصحية والاجتماعية لسلوكه، لأنه يتبنّى شعار: “هذا أنا، ويجب أن تتقبّلني كما أنا”. وكذلك شأن بائعة الهوى، وغيرهم كثير.

وبدأنا نرى ملامح هذا التفتّت القِيَمي في المقابلات الأمريكية، عند الرجال والنساء والأطفال، وعبر مختلف الأجيال، حيث تتجلى واضحة آثار الفردانية، وإلغاء الأسرة، وذوبان الهوية.

وإذا استمرّت الشعوب العربية في تبنّي التشخيص النفسي الإلكتروني السريع، والقذف، والحكم على الناس دون بيّنة، فإن العقلية التافهة -التي ترى نفسها شجرة مثمرة تُقذف لهذا السبب- ستصبح النموذج المُتبنّى مجتمعياً، ثم يتحوّل المجتمع تدريجياً إلى مجتمع فرداني يرى كل واحد نفسه مركز الكون.

ومع تبنّي فكرة “الاستحقاق العالي” و”تأليه الذات” و”حب الذات بطريقة مرضية”، سيبدأ الإنسان بإبادة مجتمعه فكرياً وسلوكياً وهو يقول: “هذه حقيقتي، وعليكم تقبّلي كما أنا”. ومع ذلك، ينسى أن الناس لن ترحمه حتى لو كان في قبره.

وبناءً على هذه المغالطة، ينتشر السلوك الفرداني المُستورد ويتجذر “النموذج الأمريكي للفردانية”، حتى تتفكّك المجتمعات العربية من الداخل. وعند هذه النقطة، لا أستبعد -مازحاً بمرارة- أن أفرّ إلى قرية نائية في اليابان، منتظرًا الموت تحت موجة تسونامي، أو زلزال، أو قنبلة نووية في حرب عالمية ثالثة، على أن أرى الفردانية وقد ابتلعت الهوية العربية تماماً…

فإذا تبنّت المجتمعات العربية الفردانية بنسبة كبيرة، فاعلم أن أرض العرب -في صورتها الراهنة- لم تعد بيئة صالحة للتربية كما ينبغي. فإذا كنتَ أعزباً، فلا تقلق فقط على أبنائك في المستقبل، بل خف على نفسك الآن، لأن الإنسان كائن اجتماعي يتأثّر بالبيئة حوله مهما ظنّ نفسه قوياً. نعم، الثبات في زمن التيه بطولة، لكن لا تُلقِ بنفسك إلى الوهم وتظن أنك بمنأى عن التأثر.

وأذكّرك -كما أذكّر نفسي- أنّنا في هذا المقال ننتقد “التشخيص النفسي الإلكتروني” بينما أنا وأنت قد وقعنا فيه مرة أو مرتين على الأقل، وهذا الدليل الأكبر على أننا نتماهى مع السلوك العام للمجتمع الذي نعيش فيه، شئنا أم أبينا.

فإذا حُكِم على الرجل الحليق بأنه منافق، وقُذِفت المتبرّجة بأنها زانية، وأُسقط العالِم لأنه أخطأ في مسألةٍ واحدة، وحُلّلت شخصية عالِم آخر بأنه ناقص أو حاقد لأنه لم يجاهد مع فصيل معيّن، أو وُصف بأنه عبدٌ للحُكّام لأنه قدّم رأياً مخالفًا للهوى العام، فكيف يمكن إنكار أن نسبة لا بأس بها من الزيجات اليوم تُبنى على الصورة الافتراضية التي يظهر بها الطرف الآخر على وسائل التواصل؟

أنا مفكّر مهتم برصد السلوك البشري، وألتقي بزملاء من المحامين، والأطباء النفسيين، والعاملين في وزارات العدل، ومن يجمعون الإحصاءات كما أفعل. نجتمع بين حين وآخر، ونتبادل الإحصائيات المتعلقة بالطلاق، وأسباب التفكك الأسري، ودعاوى المخالعة، والاضطرابات النفسية المرتبطة بطفولة قاسية أو تنشئة مشوهة. وأقسم بالله أن الأمر جلل، وأنه بدأ يخرج عن السيطرة.

بل حتى في الولايات المتحدة، بدأ بعض الرؤساء يظهرون بـ “شخصية سائلة” ليقتربوا من الجيل الجديد الذي يعاني من هشاشة العلاقات الاجتماعية بفعل التواصل الرقمي. فيخرج الرئيس -كما فعل ترامب مثلاً- بشخصية يراها الجيل الحديث “متواضعة وقريبة منهم”، بينما يراها الجيل القديم “سائلة وغير صالحة للحكم”.

لا أتحدث هنا بمنطق الأبيض والأسود أو الرمادي فحسب، بل عن ظاهرة مرصودة عالمياً؛ إذ لم يعد من المقبول أن يظهر وزير أو رئيس أو ملك -بل حتى معلّم- بأسلوب تقليدي رسمي متزن، صار الحديث العامي، وكثرة الحركة، واللغة العفوية شرطاً لكسب الجماهير، ولو على حساب الهيبة والجدية والاتزان.

وحتى أنا -رغم محاولتي أن أكون مفكّراً أترك أثراً نافعاً- أجد نفسي أحياناً أنزلق إلى الحديث العامي طلباً لرضا الجيل الجديد، ثم أشعر لاحقاً أنني انسلخت عن هويتي وأصبحت عبداً لزر الإعجاب وعدد المشاهدات، فأعود إلى رشدي.

ما أريد قوله هو أن البديهيات أصبحت كسراب؛ اختلط الحق بالباطل، وانقلب الثابت إلى سائل، وتشابكت الأمور، وحتى المدركون منّا يتأثرون بالمحيط، فأنا وأنت -برغم إدراكنا- وقعنا في فخ التشخيص النفسي الإلكتروني، وربما حلّلنا شخصية إنسان من فيديو واحد.

غير أن الفارق هو: من يُدرك سريعاً في نفسه ويقول: “أستغفر الله، إن بعض الظن إثم”، ومن يواصل الغرق دون إدراك.

ولا ننسى ما انتشر اليوم من علوم زائفة مثل السحر، والتاروت، والأبراج، وتحليل أنماط الشخصيات، وغيرها من أوهام “التنمية البشرية الباطلة” التي تُقدَّم على أنها مفاتيح لفهم النفس، بينما هي في حقيقتها تشخيصٌ نفسي إلكتروني ملفوف بغلاف روحاني أو فلسفي مزيف.

ومع ذلك، لا يكفي أن ننتقد هذه الظواهر؛ بل يجب أن نبحث عن العلاج. وأرى -عن قناعة- أن العلاج يبدأ بالعودة إلى التدوين والكتابة، إلى زمن الكتب لا زمن المنصة العابرة. نعم، لن ينجو الكاتب من التحليل أو التشخيص النفسي بناءً على ما يكتبه، لكن الشخصيات الهلامية المدمنة للدوبامين، التي تتقمص دور “الطبيب النفسي الإلكتروني”، لا تميل أصلاً إلى القراءة، لأن من صفاتها أنها تُطلق الأحكام من نبرة الصوت، أو لغة الجسد، أو حركة الحاجب، ولا تستطيع الصبر على قراءة كتاب كامل في شهر.

هؤلاء يُشخّصونك إلكترونياً: أحمق أم لا، من خلال تعبير وجهك أو طريقة حديثك، لكن لو عدنا إلى زمن الكتب والردود العلمية، لوجدت العالِم يرد على العالِم بكتاب كامل، ويُناقشه آخر بكتاب ثانٍ، فتُبنى الحضارات بهذا العمق والرقي، فالكتابة تمنح الكاتب وقتاً ليُراجع فكره، ويُهذّب لغته، ويختار كلماته، ويتواصل مع القارئ بإدراك لا بهستيريا استعراضية.

أما الكلام العابر أمام الشاشة، فيخضع لإدمان “الدوبامين الجماهيري”، فيحرص صاحبه على الانتقال بسرعة إلى المحور التالي حتى لا يملّ الجمهور؛ فيضطر إلى تجاهل قاعدة “خير الكلام ما قلّ ودلّ”، وإن أطال حديثه أُسيء فهمه، ثم شُخّص نفسياً على الفور تحت تأثير التشخيص الإلكتروني السريع.

لذلك، أرى -شخصياً- أن قارب النجاة من هذا الانهيار السلوكي، وهذا “الحكم النفسي الإلكتروني” المتعجّل، هو العودة إلى التدوين. وسأكتب -بإذن الله- مقالاً آخر عن أهمية الكتابة ومستقبلها في ظل هيمنة الذكاء الاصطناعي، حين لم نعد نميّز الحقيقة من التزييف في فضاء التواصل الاجتماعي. وأظن -والله أعلم- أن عصر التدوين والكتب سيعود بقوة، سواء تدريجياً أو بشكل مفاجئ، حين يتيقّن الناس من خطورة السطحية الرقمية.

وبهذا أكتفي في هذا المقال بشرح ظاهرة “التشخيص النفسي الإلكتروني” وغياب المصلحين، مقابل صعود التفاهة تحت وهم “لا تُقذف إلا الشجرة المثمرة”. إنّ الخوف من الجماهير بات أقوى من صوت الإصلاح، والرأي العام على الشاشة قادر -اليوم- على إسقاط حكام ودول. وقد رأينا كيف انفجر الشعب في النيبال لمّا مُنعت وسائل التواصل، رغم اختلاف التفاصيل، إلا أن النتيجة النهائية كانت واحدة: الاعتماد على المنصّات صار جزءاً من تكوين العقل الجمعي.

وهكذا، فإنّ صناعة البشر تتقدّم، لكن عقولهم -للأسف- تتقهقر كل يوم أكثر.

وأختم المقال هذا بأسانيد من القرآن والسنة واقوال العلماء عن سوء الظن والحكم السريع على الناس.

الأدلة كثيرة لا حصر لها ولكن اكتفي بهذه الأسانيد سائلاً الله عز وجل ان يحفظها بعينه التي لا تنام وأن يجعل منا أمة تذكّر بعضها البعض يومياً وإلا هلكنا، فلا يهلك الله قوماً وأهلها يحثون على الصلاح ويذكرون بعضهم البعض.

حـمـد بـن هـانـي

{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23]

وعن سوء الظن هناك حديث شريف:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إياكم والظن بإن الظن أكذب الحديث ” رواه مسلم 

﴿فَلا تُزَكّوا أَنفُسَكُم هُوَ أَعلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ (النجم: ٣٢)

﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

(المائدة: 8)

عدم الاخذ بالنصيحة الدينية من المتبرجة

قال ابن مسعود رضي الله عنه: “اقبلوا الحق ممن قاله، وإن كان بعيدًا بغيضًا، وردوا الباطل على من قاله، وإن كان قريبًا حبيبًا.”

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ“.

قال تعالى في ذم سوء الظن بالله تعالى وعاقبة من فعل ذلك:  {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}  [آل عمران: 154]. قال ابن القيم: (فُسِّر هذا الظنُّ الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأنَّ أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، ويظهره على الدين كله. وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير الحق، لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون، فمن ظن بأنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد حزبه، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا، فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به، فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله)   . – وقال سبحانه في عاقبة من ظن به السوء: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ } [فصلت: 22- 23]. قال أبو حيان الأندلسي: (هذا الظن كفر وجهل بالله وسوء معتقد يؤدي إلى تكذيب الرسل والشك في علم الإله)    قال السعدي: (وَلَكِن ظَنَنتُمْ بإقدامكم على المعاصي أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ فلذلك صدر منكم ما صدر، وهذا الظن، صار سبب هلاكهم وشقائهم ولهذا قال: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ الظن السيئ، حيث ظننتم به، ما لا يليق بجلاله. أَرْدَاكُمْ أي: أهلككم فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ لأنفسهم وأهليهم وأديانهم بسبب الأعمال التي أوجبها لكم ظنكم القبيح بربكم، فحقت عليكم كلمة العقاب والشقاء، ووجب عليكم الخلود الدائم، في العذاب، الذي لا يفتر عنهم ساعة).  – ثم أوضح سبحانه صورة هذا الهلاك والخسران بقوله تعالى:  {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا}  [الفتح: 6]. قال ابن القيم: (توعد الله سبحانه الظانين به ظنَّ السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى:  {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا}  [الفتح: 6])   . وقال الشوكاني في قوله تعالى: ({وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} أي: يعذبهم في الدنيا بما يصل إليهم من الهموم والغموم بسبب ما يشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام، وقهر المخالفين له، وبما يصابون به من القهر والقتل والأسر، وفي الآخرة بعذاب جهنم.. عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ أي: ما يظنونه ويتربصون بالمؤمنين دائر عليهم، حائق بهم، والمعنى: أن العذاب والهلاك الذي يتوقعونه للمؤمنين واقعان عليهم نازلان بهم… وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا)   – وقال سبحانه في ذم سوء الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين:  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } [الحجرات:12]. قال ابن كثير: (قال تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليجتنب كثير منه احتياطًا) وقال السعدي: (نهى الله تعالى عن كثير من الظن السوء بالمؤمنين، فــ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وذلك، كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء، الذي يقترن به كثير من الأقوال، والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء بالقلب، لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به، حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضًا، إساءة الظن بالمسلم، وبغضه، وعداوته المأمور بخلاف ذلك منه)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *